الرئيسية / معرفة / عصر جليدي قادم.. هل تتحقق نبوءة صراع العروش؟

عصر جليدي قادم.. هل تتحقق نبوءة صراع العروش؟

في المسلسل الشهير(1) “صراع العروش” تتقاتل الممالك السبعة، في معركة لا يحكمها مبدأ، من أجل الحصول على العرش الحديدي القائم بعد وفاة الملك روبرت براثيون، وفي أثناء ذلك كله يحاول جون سنو، أحد حرّاس السور السابقين، الابن غير الشرعي لنيد ستارك حاكم ولورد ونترفيل، أن يقنع الجميع بحقيقة تقول إن لهم عدوا واحدا مشتركا يسمى الـ “نايت كينج”، وهو يجهز جيشا عظيما الآن لاجتياح ممالكهم، لكنهم لا يستمعون لما يقول، ويظل كل تركيزهم على العرش الحديدي، في أثناء ذلك كله يتمكن الـ “نايت كينج” من إيجاد طريقة لاختراق الجدار العظيم الفاصل بين عالمه وعالمهم، وتبدأ المعركة الكبرى، تلك التي ننتظرها في العام 2019 بتشوق شديد.

لهذا السبب يعتقد بعض المحللين(2) أن مسلسل “صراع العروش” يتحدث بالأساس عن مشكلة التغير المناخي، فبينما ينشغل العالم بصراعات سياسية واقتصادية على مركز “الملك”، يتزايد احترار الكوكب يوما بعد يوم، وترتفع مؤشرات الخطورة إلى أقصاها، وفي المقابل لا يستمع أحد من السياسيين إلى صوت العلماء، لكن المسلسل، إضافة إلى كل ذلك، يحمل نبوءة أخرى قد تبدو غاية في الغرابة بالنسبة للجميع، ولا تتعلق بالاحترار العالمي الذي نعيشه الآن، إنها أشهر جُمل المسلسل، تلك التي طالما كررها نيد ستارك ومن ورائه الجميع: “الشتاء قادم”.

رقصات الأرض

لكن لفهم أسرار تلك النبوءة، والتي ستتحقق حتما يوما ما، نحتاج أن نبدأ في تعلم القليل عن علم الفلك، فالأرض -كما تعرف- هي أحد كواكب المجموعة الشمسية، تدور حول الشمس مرة كل 365 يوما وربع، مدار الأرض ليس دائريا تماما، لكنه يقترب من الشمس في بعض الأحيان، ويبتعد عنها في البعض الآخر، وتسمى أقرب مسافة للأرض من الشمس بالحضيض(3) (Perihelion) والأبعد عنها بالأوج (Aphelion)، يمكن فهم تلك الفكرة -فقط لغرض التشبيه- بالنظر إلى مدار الأرض حول الشمس كدائرة، لكن الشمس لا تقع تحديدا في مركزها، بل تميل قليلا جهة اليسار.

رغم ذلك فإن مدار الأرض حول الشمس لا يتطرّف في قُربه وبُعده عنها، كالمذنبات مثلا والتي تمر بنا لتقترب من الشمس بشدة، ثم تنطلق لتذهب إلى أطراف المجموعة الشمسية البعيدة، وتعود لتكمل دورتها من جديد، أما أوج الشمس فيختلف عن حضيضها مسافة 5 ملايين كيلومتر فقط، في متوسط قدره 150 مليون كيلومتر، ما يعني نسبة اختلاف بينهما مقدارها 3.4% فقط، وبذلك لا يؤثر هذا الفارق كثيرا في كمية الحرارة الواصلة للأرض من الشمس كانت بعيدة أو قريبة منها (فقط نحو(4) 7% فارق في كمية الإشعاع الحراري الواصل للأرض بين حالتي الأوج والحضيض)، فهي الكمية نفسها تقريبا، لهذا السبب فإن الصيف والشتاء، على كوكب الأرض، لا علاقة واضحة لهما ببُعد الأرض عن الشمس أو اقترابها منها، بل إن صيف الأرض -في النصف الشمالي منها والذي يشملنا هنا بالوطن العربي- يأتي في الأوج، وشتاءها في الحضيض.

لكن ما يتسبب في تبادل الصيف والشتاء، في الحقيقة، هو ميل الأرض على محورها بمقدار 23.4 درجة، هذا يجعل الأرض تميل ناحية الشمس أو مبتعدة عنها، ويؤثر ذلك في تركيز أشعة الشمس على سطح الأرض، وبالتالي الحرارة، فتكون أكبر كلما كانت الأرض مائلة ناحية الشمس (في الصيف) وأقل حينما تكون مبتعدة عنها (في الشتاء)، وبذلك فإن نصف الأرض الشمالي يشهد فصل الصيف بينما، في الوقت نفسه، يكون النصف الجنوبي لها في فصل الشتاء، والعكس صحيح.

تتكرر تلك الظواهر، الفصول الأربعة، ووصول الأرض إلى الحضيض في يناير/كانون الثاني وللأوج في يونيو/حزيران، بشكل دائم، نولد -نحن البشر- ونكبر ونموت، فنشاهدها كما هي، أتت أجيال قبلنا، وسوف تأتي أجيال من بعدنا لتشهدها كما هي، لهذا السبب نتصور أن تلك هي طبيعة الأشياء، ثابتة لا تتغير، كل يوم هو تقريبا اليوم نفسه، لكن ذلك، في الحقيقة، غير صحيح، فالأرض لا توجد وحدها في المجموعة الشمسية، بل بصحبة مجموعة أخرى من الكواكب، ولبعض تلك الكواكب -كالمشتري وزحل-، بسبب كتلتها الكبيرة، تأثير جذبوي على الأرض يتسبب في الإخلال بشكل مدارها حول الشمس.

ريشة في الفضاء!

دعنا في تلك النقطة نتأمل ما نسميه بـ “الانحراف المداري للأرض”(5) (Eccentricity)، والذي يمثل درجة انحراف مركز مدار الأرض حول الشمس عن نقطة المنتصف، وتُعطى تلك الخاصية رقما ما، يعبّر “الصفر” فيه عن دائرة كاملة تكون الشمس في مركزها بحيث تقع الأرض منها على المسافة نفسها طوال العام، لكن كلما ازداد هذا الرقم أصبح مدار الأرض بيضاويا أكثر، وبالتالي يتطرّف بشكل أكبر، وبالتالي يزداد الفارق بين الأوج والحضيض بشكل أكبر، وهنا تختلف كمية الحرارة الواصلة للأرض على مدار العام.

الانحراف المداري للأرض الآن(6،7) هو 0.017، لكن الرقم -للأسف- ليس ثابتا، فهو يتخذ ما يشبه الدورة، دورة نعرف أنها تستمر قرابة مئة ألف سنة، وينتقل خلالها كوكبنا بين انحراف مداري بقيمة 0.000055، أي أقرب ما يكون للدائرة، و0.0679، أي أبعد ما يكون عن الدائرة، وفي تلك النقطة الأخيرة يكون هناك فارق كبير في كمية الإشعاع الواصلة للأرض بمقدار الرُبع تقريبا بين نقطتي الحضيض والأوج، وما نعرفه هو أن انحراف الأرض المداري الآن آخذٌ في التناقص حتى أصغر نقطة، لكنه بعدها سوف يرتفع من جديد، وهكذا.

لكن تأثير تلك الدورة الخاصة بالانحراف المداري للأرض لا يظهر بوضوح إلا حينما يقترن مع أخرى تحدث مرة كل 41 ألف سنة، وهي تختص بميل الأرض ناحية الشمس(8) (Axial tilt)، حيث يميل محور الأرض حاليا بمقدار 23.4، ونقصد هنا محور دوران الأرض حول نفسها، والذي يميل عن مستوى مدارها حول الشمس وليس قائما بالتمام عليه، لكن ذلك الرقم، هو الآخر، بسبب جاذبية المشتري وزحل، غير ثابت أبدا، فهو خلال تلك الدورة يتأرجح بين 22.1 درجة (حدث ذلك بالفعل قبل 8700 سنة)، و24.5 درجة (سوف نلتقي بتلك الحالة بعد 11800 سنة من الآن)، تؤثر تلك الحالة من التأرجح بقوة في تركيز أشعة الشمس على الأرض أثناء الشتاء والصيف، بل إن التأرجح بمقدار نصف درجة فقط كان قادرا على تحويل منطقة شمال أفريقيا، تلك التي كانت يوما ما ربوعا خضراء، إلى صحراء قاحلة كما نراها الآن.

دورات ميلانكوفيتش

وتتداخل مع ذلك كله دورة ثالثة، تمر بها الأرض أيضا، وتمتد لقرابة 26 ألف سنة، نسمّيها بظاهرة المبادرة المحورية(9) (Precession)، وهي حركة دائرية متغيرة بطيئة للغاية للأرض حول محورها تشبه تلك التي تحدث حينما يلعب الأطفال بالنحلة الخشبية فتتأرجح حول محورها، على سبيل المثال، تكون الأرض -في عصرنا الحالي- في حضيضها حينما يكون النصف الشمالي للكوكب في فصل الشتاء، والعكس جنوب خط الاستواء، لكن ذلك لن يستمر هكذا طوال الوقت، بعد 13 ألف سنة سيصبح حضيض الأرض مترافقا مع الصيف في نصف الكرة الشمالي.

للوهلة الأولى قد يبدو أنه لا يوجد تأثير مباشر لتلك الدورة على مناخ الأرض، فكل ما تفعله هو أنها تغير من اتجاه ميل الأرض على محورها، لكن المشكلة تحدث حينما تتفاعل تلك الدورات الثلاث معا والتي نسميها بـ “دورات ميلانكوفيتش”(10) (Milankovitch Cycles)، نسبة إلى ميلوتين ميلانكوفيتش، الفيزيائي الصربي، والذي طوّرها عبر عمليات حسابية معقدة قبل مئة سنة تقريبا، وأثبتت الأرصاد الجيولوجية صحتها فيما بعد.

ونقصد، حينما نتحدث عن تفاعل الدورات الثلاث، أن تتفق حالات التطرف في كل منهم مع الأخرى؛ على سبيل المثال، يتزامن حضيض مدار الأرض حول الشمس، في عصرنا الحالي، مع فصل الشتاء في نصف الكرة الشمالي، ما يعني أن النصف العلوي للأرض يكون مائلا يبتعد عن الشمس (الشتاء البارد) في الفترة التي تتلقى فيها الأرض كمّيات حرارة أكبر، يساعد ذلك على وجود شتاء متزن في النصف الشمالي من الكرة الأرضية، لكن صيف أكثر تطرفا -بدرجة يسيرة- في النصف الجنوبي بسبب اتفاق ميل الأرض ناحية الشمس مع تلقيها لأكبر كمية حرارة، لكن لماذا تقول “بدرجة يسيرة”؟

لأن وضع الانحراف المداري للأرض، وكذلك ميلها على المحور، يوجد حاليا في مستوى متوسط غير متطرف، لكن ماذا لو اتفق التطرف في ميل الأرض مع التطرف في انحراف مدارها؟ هنا قد يتلقى جزء من الكوكب كم إشعاع حراري مرتفعا جدا (بسبب تطرف انحراف المدار) في الوقت نفسه الذي سيتلقى خلاله صيفا حارا جدا (بسبب تطرف الميل)، ما يتسبب في تأثيرات مناخية كارثية، أشهرها لا شك هو العصور الجليدية، نحن نعرف أن الأرض قد دخلت(11) خلال 2.5 مليون سنة فائتة في نحو 50 عصرا جليديا امتدت مدة الواحد منها بين 100 ألف سنة (متوافقة مع دورة الانحراف المداري للأرض) أو 40 ألف سنة (متفقة مع دورة ميل محور الأرض)، وبين كل منها عاشت الأرض حقبا بين-جليدية قصيرة نسبيا.

  

الشتاء قادم

ولفهم ما نقصده حينما نقول “عصر جليدي”، دعنا نتأمل الوضع في الأرض قبل نحو 20 ألف سنة فقط، حيث امتدت التكوينات الجليدية -بسُمك ثلاثة كيلومترات- لتغطي نصف الكرة الأرضية الشمالي بداية من القطب نزولا إلى ما حدوده الآن نصف الولايات المتحدة الأميركية، إنجلترا، النرويج، ونصف روسيا، أما في الجنوب فقد غطت الثلوج القطب الجنوبي وصولا إلى ما حدوده الآن جنوب أفريقيا، ونصف أستراليا، وبين هذا بالأعلى وذلك بالأسفل انضربت الأرض بموجات متتالية قاسية البرودة، تشبه تلك التي رأينها في شتاء الممالك السبعة من “صراع العروش”، أو في فيلم “28 Weeks Later” بصورة أكثر تطرفا.

في العصور الجليدية لا تنتهي الحياة، لكنها تنحصر في نطاقات محددة وتبذل جهدا أكبر12 بفارق كبير للحصول على الغذاء، ما يقلل من عدد الكائنات الحية، بحيث تتمكن أكثرها مثابرة من النجاة، خلال 300 ألف سنة سابقة عاش البشر خلال فترات جليدية، لكن فقط مع وصولنا إلى العصر الحالي، حيث يعيش العالم حاليا فيما نسميه بحقبة بين-جليدية13 (Interglacial)، أي فترة قصيرة تمتد لآلاف من السنوات لا نعرف تحديدا عددها، تتميز بأجواء أكثر دفئا، تمكن البشر من صناعة الحضارة، بدأت تلك الفترة قبل نحو 11700 سنة، لكنها -بمعايير عمر الأرض- وحتما، لن تستمر، سوف تعود العصور الجليدية مرة أخرى بعد عدة آلاف من السنوات ربما.

ومع التغير الدائم في حركة الأرض، بسبب دورات ميلانكوفيتش، وغيرها من المعايير الأخرى التي لم تسعنا المساحة للاستفاضة فيها، سوف يتغير المناخ من حالات قاسية إلى حالات معتدلة إلى حالات قاسية مرة أخرى، نعم، العصر الجليدي قادم لا محالة، ونعم، سيحدث ذلك في أوقات لن تكون أنت، أو كاتب المقال، أو أي من البشر على هذا الكوكب الآن، موجودين فيها، لكن ذلك لن يمنعنا أن نتساءل عن موضعنا في هذا الكون، عن ماهيتنا، من نحن؟ ولماذا وجدنا هنا والآن؟ إذا كانت تتحكم فينا ظروف فلكية بطبيعتها لا نتمكن من السيطرة عليها، فما الفائدة من كل شيء إذن؟ إذا كانت الأرض هي مجرد ريشة في الفضاء تتبادل عليها التأثيرات الكوكبية فتتسبب في تنقلها بين حالات عدة، فماذا نفعل؟ ولماذا نجتهد فيما نجتهد فيه؟ هنا يمكن أن نتأمل قليلا إجابة سعد عبد الوهاب بالعامية المصرية وهو يقول في أغنيته: “الدنيا ريشة في هوا، طايرة بـ غير جناحين، احنا النهارده سوا، وبكرا حنكون فين؟ في الدنيا.. في الدنيا!”.

المصدر

—————————————————————————————

المراجع:

شاهد أيضاً

عبد الحميد الثاني.. قصة السُلطان «المُستبد» الذي رفض بيع القدس

أنا لا أستطيع أن أتخلى عن شبرٍ واحدٍ من الأراضي من المقدسة.. فليحتفظ اليهود بملايينهم، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.